الشنقيطي
319
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فقد كان العامي ، يسأل من شاء من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، عن حكم النازلة تنزل به فيفتيه فيعمل بفتياه . وإذا نزلت به نازلة أخرى لم يرتبط بالصحابي الذي أفتاه أولا بل يسأل عنها من شاء من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ثم يعمل بفتياه . قال صاحب نشر البنود في شرحه لقوله في مراقي السعود : رجوعه لغيره في آخر * يجوز للإجماع عند الأكثر ما نصه : يعني أن العامي يجوز له عند الأكثر ، الرجوع إلى قول غير المجتهد الذي استفتاه أولا في حكم آخر لإجماع الصحابة رضي اللّه عنهم ، على أنه يسوغ للعامي السؤال لكل عالم ، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها . فكما لم يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله ، فكذلك في المسألة الأخرى . قاله الحطاب شارح مختصر خليل . قال القرافي : انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء من غير حجر . وأجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر وقلدهما فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما ، ويعمل بقولهم بغير نكير . فمن ادعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل . ا ه . محل الغرض منه . وما ذكره من انعقاد الإجماعين صحيح كما لا يخفى ، فالأقوال المخالفة لهما من متأخري الأصوليين كلها مخالفة للإجماع . وبعض العلماء يقول : إن تقليد العامي المذكور للعالم وعمله بفتياه من الاتباع لا من التقليد . والصواب : أن ذلك تقليد مشروع مجمع على مشروعيته . وأما ما ليس من التقليد بجائز لا خلاف ؟ فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاده ، مجتهدا آخر يرى خلاف ما ظهر له هو ، للإجماع على أن المجتهد إذا ظهر له الحكم باجتهاده لا يجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه . وأما نوع التقليد الذي خالف فيه المتأخرون ، الصحابة وغيرهم من القرون المشهود لهم بالخير ، فهو تقليد رجل واحد معين دون غيره ، من جميع العلماء . فإن هذا النوع من التقليد ، لم يرد به نص من كتاب ولا سنة ، ولم يقل به أحد من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولا أحد من القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير .